عــــــــــود الــــنــــــــــد

مجلة ثقافية شهرية.  للشابات والشباب من مختلف الأعمار.

العدد الثامن عشر:  تشرين الثاني/11/نوفمبر/2007

ISSN 1756-4212

حــديـث الـمـقـبــرة

جعفر أمان - السعودية

 

يحسب عارف نفسه أنه من أفضل بني جنسه. كان يعيش في ملكوته، متحد مع ذاته. هو يعتقد بأنه الأعقل من بين البشر، وهم يعتقدون أنه "مجنون".

ربما كانت علامات الجنون بادية عليه. ذات يوم التحف عارف بإزار ورداء أبيضين، وطاف حول منازل بلدته كهيئة الحاج، الذي يطوف حول بيت الله. عندها منحت له شهادة "الجنون" حتى ممن لا يعرفه، وتسابقت عبارات السخرية من مشاهديه على فعله.

كان دائماً ما ينفرد بنفسه. كان يختار الأماكن الأكثر هدوءً. الأماكن التي يخافها غيره، كالمقبرة مثلاً. كان يشعر بالراحة النفسية وهو يتوسد جدع نخلة في سكون الليل، وأمام ناظريه شواهد القبور، وخلفه مغتسل الموتى.

في إحدى الليالي، أحب شخصٌ من بلدته أن يخيفه، مراهناً على النجاح في مهمته. فاختبأ له في المكان الذي يجد فيه راحته ليلاً، مع من اختارهم الله إلى جواره. وعندما أقبل كعادته، تجوّل بنظره في كل أرجاء المقبرة، واسترجع شريط ذكرياته، حتى غفت عيناه واستسلم للنوم. هنا بدأ ذلك الشخص يصدر أصواتاً مخيفة، يحرك الأشجار، ويقلَب جذوع النخل. لكن شيئاً من ذلك لم يؤثر فيه، وكأنه أحس بأن هذه الأجواء مصطنعة، فلم يعطها الفرصة لتعكير صفو راحته. عندها أيقظه وسأله بانزعاج:

"ألا تخاف؟!"

فرد عليه عارف: "مم أخاف؟!"

"من الأصوات المخيفة، من سكون الليل، من هذا المكان الموحش، من... من..."

"ولمَ أخاف؟! أنا لا أخاف."

"حسناً. اذهب لبيتك."

"هنا أجد راحتي مع الموتى."

"هم موتى وأنت حي، والحي لابد له أن يعيش مع الأحياء."

"الأموات لا يؤذون، لا يخونون، لا يجرحون. أنت من عليه أن يذهب لمنزله."

"لا، أنا أيضاً لا أخاف." قالها مرتعشاً مضطرباً.

أجابه عارف بثقة وبابتسامة ارتسمت على شفتيه بعد أن لاحظ اضطرابه:

"قلت لك أنا الذي لا أخاف ولست أنت. لا، ليس هذا فقط، بل أنا من يخيف."

لم ينبس ببنت شفة. وأصرّ -بعد أن استجمع ما تبقى من قواه- على البقاء إلى جوار عارف. فما كان من عارف إلا أن قبل التحدي. صمت لبرهة، وسلّم دفة الحوار لـ "ونيس الليل" بصوته المقلق. خيّم السكون على مدفن الموتى. صمت مطبق، لا صوت سوى ونيس الليل، وصفير الرياح. انتهز عارف الفرصة فشق هذا الصمت بصرخة مدوية، أفزعت ذلك الشخص المتطفل. ففر هارباً مرددا بهستيرية:

"مجنون. مجنون. مجنوون. مجنووووون."

إرسال نص للنشر

إرسال الصفحة لصديق/ة

رسالة لجعفر أمان

طباعة النص فقط

استخدام الخيارات أعلاه يتطلب فتح نافذة جديدة

اترك تعليقا للنشر هنا. سينشر بعد الاطلاع عليه. لكتابة تعليق، ولقراءة التعليقات المنشورة، اضغط على كلمة التعليقات أدناه. إذا لم تظهر لك الكلمة فهذا يعني أن خاصية جافا لا تعمل على الجهاز الذي تستخدمه.

 
الغلاف
عن مبدع الغلاف
فيصل تاج السر
كلمة العدد
تعليقات القراء
هدية لعود الند
استطلاع رأي
عن عود الند
عود الند بايجاز
مواعيد للعدد القادم
دعوة من عود الند
اتصل بعود الند
حفنة أخبار
مسابقة وجوائز
ندوة عن الرواية الجزائرية
القدس في الذاكرة
أسابيع ثقافية عربية
مقابلة
سناء شعلان
"أرفــض تـمــامـا مـصـطـلـح الأدب الـنـســوي"
الكاتبات والكتاب
ياسمينة صالح
وداعـــــا
سناء شعلان
الفزاعة
سالم ياسين
كيان في خصام
زينب عودة
لـــــن أعــــــــود
جعفر أمان
حديث المقبرة
فكري داود
عـيــنـــان خـضـــراوان وفـــــــرع صفصاف أصفر
وفاء زيناتي
فيروز: صوت يبدد الظلام
ربــا النـاصــر
عودة الربيع ودنيا بلا ندى
داليا الحاج
تائهة في ضجيج الأحلام
الأدب والتكنولوجيا
فاطمة البحراني
مولد أول قصيدة تفاعلية
قضية
سمر شاهين
المرأة الفلسطينية المعنفة
الاستراحة
كاريكاتير أبي النون
اختبر معلوماتك
قيم العدد
مراجع
الطباعة وعلامات التنقيط
توثيق البحوث والدراسات
الأعداد السابقة
 
 
عود الند موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه موضوعات محمية الحقوق، ويتم ذلك وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لمواد من هذا القبيل، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.