|
إلى الصديق
العزيز عبد القادر المحترم
تحية طيبة وبعد
ما أسعدني أيها
الصديق العزيز عندما تعرفت على شخصكم الكريم ونبل أخلاقكم في بلدك سورية الثورة.
يشرفني أن أزف إليك تحياتي وآمل أن تصلك وأنت في تمام الصحة والعافية.
أخي العزيز ما
هي أخباركم؟ هل لازلت في نية الدراسة في دولة أجنبية لتكمل الدكتوراه؟ آمل ذلك
وأتمنى لك التوفيق.
أما أخباري فهي
كالتالي: أعتقد أنك سمعت بأنني أحببت فتاة من بلدكم، خطفتها إلى بلدي، وضحيت من
أجلها بالغالي والنفيس، وكلي أمل أن تكون عند حسن الظن في هذه التضحية، ولكن لا
أدري ماذا تحدث الناس والأهل عن هذه المشكلة. لا يهم طالما هي معي، ولن أدع نفسي
أسمع كلمة بشأنها أو بشأني. كل ما يهمني أنني اقتنعت بها تمام القناعة وهي كذلك،
ونأمل أن يكون مستقبلنا سعيدا، وهذا ما أراه من خلال معيشتي معها، فعي مثقفة،
واعية، موضوعية تعيش الواقع كما هو، ولا أدري بماذا أصفها طالما أحبها كثيرا.
أما العمل فلا
زلت أبحث عنه هنا، وأعيش عالة على أهلي وهذا ما يخجلني، وأعزي نفسي بقولي إنهم أهلي
ومتى وجدت عملا سأرد لهم الصاع صاعين.
ما أفكر به هو
أنني لو أنني بقيت في بلدكم وعملت هناك وعشنا وابنة الحلال بعيدين عن هذا الفراغ
الذي أعيشه متسكعا في شوارع الجزائر لكان أفضل كثيرا، علما بأن أهلي حالتهم المادية
جيدة، فقد أعطوني بيتا جميلا، وأساعدهم ببعض الأعمال التجارية ويعطوني معيشتي. هذا
مقبول عندما كنت طالبا. أما الآن فلا، يجب أن أعمل وأساعدهم في أوقات فراغي وأمدهم
ببعض الأموال، علما بأنهم ليسو بحاجة ولا يشعروني بهذا مطلقا، ولكنه شعور ذاتي
يعذبني. ماذا أقول لك؟ لو بقيت ربما قتلني أهلها وقد يذبحونها. وعلى الرغم من ذلك
أقول: كان يجب علي البقاء في بلدكم مهما كانت الظروف، والآن سبق السيف العذل. ربما
تسألني كيف أتيت؟ سأجيبك بالتفصيل لأن الوقت ملكي ولست مستعجلا على عمل وأرجو ألا
تمل.
لقد اتفقنا على
كل شئ وهيأت نفسها للهروب معي، وتعقدت الأمور من أجل الحجز، ونحن في عجلة من أمرنا.
وأخبرا انقشع الضباب وتيسرت الأمور وحجزنا بالطائرة. سأحدثك عن مشوار رحلتي. كان
بجانبنا شخص ينادونه ماهر. وأنت كما تعرف أحاديث الطريق لا تنتهي، ومن خلال
الأحاديث الخاصة والعامة الكثيرة التي دارت بيننا، عرف قصتي، فكان رأيه أنه ضد هذا
التصرف جملة وتفصيلا. فشرحت له الموقف الصعب، فقال: لو عاد الرأي لي، لو وافق
الآخرون على خروجك لعارضت أنا، لأن هذا يسبب تسرب فتياتنا للخارج ونحن بحاجة إليهن.
فقلت الموضوع إذن "سربت" بنت من عندكم.
تابعنا أحاديثنا
بمختلف الأمور،خاصة عن تحرر المرأة في أوروبا الذي يختلف عما هو عندنا نحن العرب.
ومن جملة الأحاديث ذكر أنه ذاهب لحضور مناقشة دكتوراه وقد تعب فيها سنوات طويلة،
وذكر لي الصعوبات التي عاناها لتحضيرها، فقلت له مازحا طالما ننزل سويا في المدينة
التي فيها أخوك، ما رأيك لو حضرت ضيف شرف بين الجمهور الحاضر في مناقشة أطروحة
الدكتوراه؟ ربما أدلي بآراء تفيد رسالته أو أستفيد. لكن زميلا له بجواره قال بجفاء:
"الدعوة محدودة". سألت محدثي: "من هذا الرجل؟" فقال "مازن، وقد أتينا معا لهذا
الغرض."
كررت عليه طلبي
بالحضور وفق ما يقوله اتحاد الطلبة بحق الحضور للطلبة كضيوف شرف في مناقشة رسالة
الدكتوراه أو الماجستير، فقال مازن: "لا أدري." وسكت ماهر، فعرفت أني ضيف غير مرغوب
فيه. وقلت لهما أنا لا أشك بمقدرة الهيئة العلمية في مناقشة الدكتوراه بشكل جيد،
ولكني أرغب في الحضور، وهذا حق أليس كذلك؟ فقال ماهر وهو ينتقد عادات وتقاليد بلدي:
"على ما يبدو أن علاقاتكم "مفلوشة" ولا ضابط لها". وراح يسرد بعض الأشياء عن عادات
بلدنا، ودافعت بما فيها الكفاية، ولم أنزعج مطلقا من ترهاته، فيما قال مازن
"بالحقيقة يوجد تخمة من أمثالكم". ولم أفهم قصده من التخمة، كل ما يمكنني قوله إنني
عرفت بهذا المشوار نموذجين غريبين لأناس كنت أعتقد أنهما انقرضا، بلا مؤاخذة.
أخي العزيز لقد
سردت عليك أحاديث لا ناقة لك فيها ولا جمل، ولكن الفراغ يخلق كل شئ، أملي ألا تمل
من رسالتي.
أما حبيبتي
الغالية التي ضحيت من أجلها كل ما أستطيع التضحية به ملت الحياة هنا، لأن عادات
أهلي عادات برجوازية متعالية تتنافى مع حياة البساطة التي ألفتها معي في بلدكم، وقد
سئمت أنا تلك العادات. تصور المآدب تكفي إطعام أهل الحارة جميعا، يأكلون القليل من
مآدبهم الكثيرة ويرمى الباقي في القمامة. والله هذا كفر. الناس تتضور جوعا وهؤلاء
يتفاخرون بالإنفاق .هذا سفه بالإنفاق.
وأخيرا وليس
آخرا تفضل بقبول تحياتي مع فائق الاحترام، وتحياتي للسيدة التي كنت أسكن عندها
وأعتقد أنك لم تزرني في بيتي، ولكن حاول اسأل وطمئنها عني، ولا تقل لها أية كلمة
مما حدثتك به، فقط بلغها سلامي، فهي جعلتني كابنها وتتألم كثيرا علي، وهي كأمي
تماما، وأضعها أمانة في عنقك.
أخوك محمد فتوحي |